المربع نت – في عالم السيارات الكهربائية، لم يعد المحرك هو العنصر الأهم كما كان لعقود طويلة، بل أصبحت البطارية هي القلب الحقيقي للسيارة، والعامل الحاسم في الأداء والتكلفة وحتى في هوية الشركة المصنعة نفسها. ومع احتدام المنافسة العالمية، تحولت البطاريات إلى ساحة صراع مفتوحة بين الشرق والغرب، في واحدة من أهم المعارك الصناعية في العصر الحديث.
الوصول السريع للمحتوى
كيف أصبحت البطاريات أهم من المحرك؟
في سيارات الاحتراق الداخلي، المحرك هو القلب النابض للسيارة وأهم مكون فيها، أما اليوم فقد تغيرت المعادلة بالكامل. البطارية وحدها قد تمثل ما يصل إلى 30% أو حتى 40% من تكلفة السيارة الكهربائية، وهي التي تحدد مدى القيادة، وسرعة الشحن، والأداء العام، بل وحتى السعر النهائي للمستهلك.
بمعنى آخر، من يملك تكنولوجيا البطاريات، يملك القدرة على التحكم في سوق السيارات الكهربائية بالكامل.. ولذلك نرى سباقاً محموماً حول العالم لتطوير وتصنيع البطاريات، وهو سباق اكتسحت فيه الصين المنافسين بسهولة.
الصين تسبق الجميع بخطوات واسعة
لم تصل الصين إلى هذه المكانة بالصدفة، بل نتيجة استثمارات مبكرة واستراتيجية طويلة المدى بدأت قبل أكثر من عقد. اليوم، تسيطر شركات مثل CATL وبي واي دي على حصة هائلة من سوق البطاريات العالمي، وتعد المورد الرئيسي لمعظم شركات السيارات الكبرى حول العالم.
تشير أحدث البيانات إلى أن شركة CATL وحدها تستحوذ على نحو 39% من سوق البطاريات العالمي، بينما تأتي بي واي دي في المركز الثاني بحصة تقارب 16%، ما يعني أن الشركتين معاً تسيطران على أكثر من 55% من السوق العالمي بمفردهما، وهو رقم غير مسبوق في صناعة بهذا الحجم .

ولا تتوقف الهيمنة هنا، إذ تشير التقديرات إلى أن الشركات الصينية مجتمعة تسيطر على ما يقارب 69% من إجمالي سوق البطاريات عالمياً، مع وجود 6 شركات صينية ضمن أكبر 10 مصنعين في العالم .
هذا النفوذ الهائل انعكس بشكل مباشر على صناعة السيارات نفسها، حيث أصبحت شركات مثل CATL مورداً رئيسياً لمعظم كبار المصنعين حول العالم، بما يشمل تيسلا وبي إم دبليو ومرسيدس وحتى تويوتا، في تحول واضح يجعل شركات السيارات تعتمد بشكل متزايد على الموردين الصينيين لتأمين أهم مكون في سياراتها الكهربائية .
بل إن بعض الشركات لم تعد تكتفي بالشراء، بل دخلت في شراكات استراتيجية طويلة المدى مع الموردين الصينيين، سواء لضمان الإمدادات أو لتقليل التكاليف، وهو ما يفسر قدرة الشركات الصينية على تقديم سيارات كهربائية بأسعار أقل بشكل ملحوظ مقارنة بالمنافسين.
ولا تقتصر السيطرة على التصنيع فقط، بل تمتد إلى سلاسل التوريد بالكامل، حيث تمتلك الصين نفوذاً كبيراً في استخراج ومعالجة المواد الخام الأساسية مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل، ما يمنحها أفضلية يصعب منافستها في الوقت الحالي.

أوروبا وأمريكا تحاول اللحاق… لكن الطريق صعب
في المقابل، بدأت الولايات المتحدة وأوروبا تدركان حجم الفجوة، وبدأتا في ضخ استثمارات واسعة لبناء مصانع بطاريات محلية وتقليل الاعتماد على الصين. شركات مثل تيسلا تتعاون بشكل دوري مع Panasonic اليابانية، بينما تعتمد شركات أوروبية على موردين كوريين مثل LG وسامسونج.
ورغم هذه الجهود، لا تزال التكلفة أعلى، وسلاسل الإمداد مرتبطة بشكل أو بآخر بالصين، ما يجعل الاستقلال الكامل هدفاً بعيد المنال حتى الآن.
انهيار Northvolt… ضربة موجعة لطموحات أوروبا
من أبرز الضربات التي كشفت صعوبة المنافسة، تعثر شركة Northvolt السويدية، والتي كانت تمثل الأمل الأكبر لأوروبا لبناء صناعة بطاريات مستقلة. الشركة حصلت على استثمارات ضخمة ودعم حكومي كبير، مع قوائم طلبات من أهم الشركات الأوروبية مثل بي ام دبليو وفولكس واجن، وكان يتم النظر إليها على أنها تجسد مستقبل صناعة البطاريات الأوروبية، لكنها واجهت تحديات في الإنتاج والتكاليف، ما أدى إلى تدهورها بشكل حاد وصادم لدرجة الإعلان عن إفلاسها مؤخراً في ضربة مدوية للجهود الأوروبية في هذا المجال.

هذا التطور لم يكن مجرد فشل شركة ناشئة، بل كشف عن مدى صعوبة بناء منظومة متكاملة لمنافسة الهيمنة الصينية، حتى في ظل الدعم السياسي والمالي الكبير.
معركة المواد الخام… الصراع الحقيقي
بعيداً عن المصانع والتقنيات، تكمن المعركة الأهم في المواد الخام. الليثيوم والنيكل والكوبالت أصبحت موارد استراتيجية، والدول والشركات تتسابق للسيطرة على مصادرها حول العالم.
الصين سبقت الجميع في هذا المجال أيضاً، من خلال الاستثمار في المناجم في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، ما يمنحها سيطرة غير مباشرة على جزء كبير من الإمدادات العالمية.
شاهد أيضاً:
حالياً تحاول الحكومات الغربية تقليل الاعتماد الكبير على الشركات الصينية عبر سياسات جديدة مثل دعم الإنتاج المحلي للبطاريات ومكوناتها وفرض قيود على سلاسل التوريد الأجنبية، لكن الواقع يشير إلى أن الفجوة لا تزال كبيرة.
حتى مع هذه الجهود، ستحتاج أوروبا وأمريكا لسنوات طويلة قبل الوصول إلى مستوى منافس حقيقي للصين في هذا المجال.
ماذا يعني ذلك لصناعة السيارات؟
التحول نحو السيارات الكهربائية لم يعد مجرد تغيير في نوع المحرك، بل تغيير جذري في بنية الصناعة نفسها. شركات السيارات لم تعد تملك السيطرة الكاملة على منتجاتها كما في السابق، بل أصبحت تعتمد بشكل كبير على موردي البطاريات.
اقرأ أيضاً: “تقارير المربع” فقاعة الأحصنة: هل أصبحت السيارات الحديثة أقوى من اللازم؟
وهذا يفسر لماذا تسعى بعض الشركات الآن لتطوير بطارياتها الخاصة، أو الدخول في شراكات استراتيجية طويلة الأمد لضمان استقرار الإمدادات.
كما أن تفوق الصين في هذا المجال انعكس بشكل واضح على أسعار السيارات الكهربائية، حيث استطاعت الشركات الصينية تقديم سيارات بأسعار أقل ومواصفات منافسة، بفضل انخفاض تكلفة البطاريات والإنتاج المحلي.
وفي المقابل، تواجه الشركات الغربية صعوبة في مجاراة هذه الأسعار دون التأثير على هوامش الربح.
شاهد أيضاً:
المستقبل… من يملك البطارية يملك السوق
مع استمرار هذا السباق، يبدو أن معركة البطاريات ستحدد شكل صناعة السيارات خلال العقد القادم. الصين تملك الأفضلية حالياً، لكن المنافسة لم تنتهِ بعد.
السؤال الأهم الآن ليس فقط من سيصنع أفضل سيارة كهربائية، بل من سيتمكن من السيطرة على أهم مكون فيها… البطارية.

اشترك بالقائمة البريدية
احصل على أخبار وأسعار السيارات أول بأول
إختر علامتك لمتابعة أخبارها وسياراتها
