“تقرير” اسعار النفط والاتجاه الذي ستتخذه في المستقبل

المربع نت – يوجد حاليا اتجاهان رئيسان في تحليل أسعار النفط، واحد متفائل يؤمن بارتفاع صاروخي للأسعار بفضل ارتفاع الطلب على حساب العرض، وآخر متشائم يؤمن بانخفاض محتم للأسعار بتأثير انتشار السيارات الكهربائية، وفي الواقع كلا الاتجاهين مبالغ فيه وغير دقيق، وما تشير إليه أغلب الدلائل الحالية في الأسواق هو ثبات الأسعار واستقرارها في مجال محدد متوسط.

بالفعل توجد عوامل سلبية مؤثرة في السعر المستقبلي للنقط، أهمها هي الارتفاع الهائل في إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة في الأعوام الأخيرة، ما يمنع من حدوث أزمة عرض مشابهة لما حدث عقب الازمة المالية العالمية الأخيرة وحتى عام 2014، عندما قفزت الأسعار لما فوق المئة دولار للبرميل بفضل ارتفاع الطلب على حساب العرض.

حاليا ارتفع الإنتاج الأمريكي إلى قرابة 10 مليون برميل يوميا، ما يعني استحالة اندلاع أزمة مشابهة في المستقبل، وبالتالي استبعاد ارتفاع الأسعار مجددا فوق المستوى السحري، المئة دولار.. ويُذكر أن تحول الولايات المتحدة من مستورد للنفط إلى مصدّر أدى إلى خلخلة عميقة في السوق العالمي وأثر على تنافسية صادرات الخليج وأوبك إجمالا، وبالتالي على الأسعار.

وقد رأينا ما حدث في الثلاثة أعوام الاخيرة، عندما قررت منظمة أوبك الاستمرار في ضخ النفط بقوة بغض النظر عن ازدياد العرض الأمريكي وظروف السوق المشبعة، ما أدى إلى انهيار حاد للأسعار لمستوى العشرينات، بل وقد توقع بعض المحللين انهيارا لعشرة دولارات فحسب للبرميل إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه.

لحسن حظ الدول المنتجة للبترول، قررت أوبك تغيير استراتيجيتها مؤخرا والبدء في خفض الإنتاج والتصدير، ما أدى لدعم الأسعار لمستويات الخمسين دولار الحالية، ويُذكر ان روسيا وعدة دولة مستقلة أخرى انضمت لاتفاق خفض الإنتاج بالتعاون مع أوبك في أول مبادرة عالمية من نوعها في عشرين عاما.

وينص الاتفاق العالمي على خفض معدلات الإنتاج لأوبك وروسيا بـ 1.8 مليون برميل يوميا حتى مارس القادم، مع توقعات تمديد الاتفاق أو تعميقه لدعم الأسعار في 2018.. ولكن مع ذلك قام بعض أعضاء أوبك بمخالفة بنود الاتفاق في عدة أشهر، خاصة الجزائر والعراق والإمارات والإكوادور، بينما طالبت نيجيريا وليبيا باستثناء شامل من الاتفاق، ما خفف من تأثيره المباشر على الأسعار ومستويات العرض والطلب في الأسواق.

ويستمر الإنتاج الصخري الأمريكي في تأثيره السلبي العميق على الأسواق، خاصة مع استغلال شركات النفط الأمريكية لاتفاق أوبك العالمي لزيادة إنتاجهم للاستفادة من التعافي الأخير في الأسعار، وهو العامل الرئيسي في الحد من ارتفاع الأسعار أسفل مستوى الستين دولار للبرميل.

إذا هي معادلة لا مناص منها: كلما قررت أوبك وروسيا خفض الإنتاج، سارعت الشركات الأمريكية في زيادة إنتاجها للاستفادة من السعر، وبالتالي حصره في مجال معين لا يتعداه.

وأخيرا نذكر إحدى العوامل السلبية الرئيسية في مستقبل النفط، وهي الانتشار الثابت والمستمر للسيارات الكهربائية حول العالم، والتي ستؤثر بشكل ملحوظ على مستويات الطلب، وبالتالي ستساهم في الحد من الارتفاع المأمول في سعر النفط، ولا يسعنا إلا الإشارة للمبادرات العالمية التي تحظر بيع سيارات البترول والديزل خلال العقد القادم، كأهم ملمح من هذه القضية.

مع ذلك، دعنا لا نبالغ في الأمر.. في النهاية، تم بيع مليوني سيارة كهربائية فقط في 2016، وهي نسبة لا تتعدى 1% من مجمل المبيعات العالمية.. وحتى لو ارتفعت في الأعوام القادمة، فمن المتوقع ألا تتعدى الـ 10-20% لعقد أو عقدين من الزمن.

إذن لا جدال في أن سوق النفط يواجه تحديات حقيقية في الأعوام والعقود القادمة، ولكن لا جدال أيضا في أن الطلب الحقيقي عليه سيستمر بثبات مع النمو القوي للاقتصاديات الناشئة حول العالم واحتياجها المتزايد للطاقة.. وبرأينا، ستنحصر تداولات النفط في مجال سعري يتراوح بين 40 و60 دولار للبرميل للمستقبل المنظور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *