المربع نت – حرب أسعار السيارات في الصين لم تعد مجرد منافسة تجارية عابرة، بل تحولت إلى ما يشبه “حرب الاستنزاف” التي تكسر عظام كبار المصنعين في الصين.
فبينما يفتتح معرض بكين للسيارات 2026 أبوابه وسط بريق الموديلات الجديدة، تلوح في الأفق غيوم سوداء تُنذر بأن حرب الأسعار في الصين خرجت عن السيطرة مرة أخرى، لدرجة أن محاولات الحكومة الصينية لتهدئة الأجواء باءت جميعها بالفشل الذريع أمام رغبة بي واي دي وغيرها من شركات السيارات في البقاء والحفاظ على الحصة السوقية، حتى لو كان الثمن هو حرق الأرباح.
الوصول السريع للمحتوى
شركات بي واي دي وجيلي وشيري تشعل حرب الأسعار مرة أخرى
وفقاً لبيانات “بلومبرج”، تسارعت وتيرة التخفيضات السعرية لدى أهم شركة سيارات صينية “بي واي دي” لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 10% في شهر مارس وحده. ولم تقف جيلي ولا شيري مكتوفة الأيدي، بل انجرفت هي الأخرى في تيار الخصومات العنيفة بنسبة مقاربة لتخفيضات بي واي دي للحفاظ على حصتها السوقية.
الحقيقة هنا هي أن المصانع الصينية اليوم تمتلك قدرة إنتاجية هائلة تصل إلى 55.5 مليون سيارة سنوياً، في حين أن السوق المحلي لم يستوعب في 2025 سوى 23 مليون سيارة فقط، ما يوضح الضغوط الهائلة على شركات السيارات لبيع المخزون بأي سعر ممكن وتبرير هذه السعة الإنتاجية غير المنطقية.

بي واي دي في قلب العاصفة
المشهد الدرامي تجسد في “وانغ شوان فو”، الرئيس التنفيذي لبي واي دي”الملقب بـ “هنري فورد الصين”، والذي غلبته الدموع في أحد اجتماعات المستثمرين وهو يتحدث عن الضغوط التي واجهتها الشركة رغم نجاحها الواسع، وسوء الفهم الذي تتعرض له.
بي واي دي سجلت مؤخراً أول انخفاض في أرباحها السنوية منذ أيام جائحة الكورونا، مع الازدحام غير المسبوق للمنافسة في السوق الصيني المحلي، وتباطؤ التوسع في الأسواق العالمية، والانهيار المستمر في الهوامش الربحية لكل سيارة.

محاولات الحكومة الصينية لحماية الصناعة
لم تقف الحكومة الصينية موقف المتفرج أمام هذا النزيف؛ فخلال العام الماضي وحده، استدعت السلطات رؤساء أكثر من 12 شركة كبرى لتصنيع السيارات الكهربائية في اجتماع “توبيخي” يهدف لفرض هدنة فورية في حرب الأسعار.
كانت الرسالة واضحة وحازمة: “ممنوع البيع بأقل من التكلفة، وممنوع تقديم خصومات غير منطقية تكسر عظام المنافسين”. بل إن هذه التحذيرات تكررت ثلاث مرات على الأقل منذ بداية العام الحالي، في محاولة لوقف موجة الانكماش السعري التي تضرب قيمة الأصول في الدولة.
شاهد أيضاً:
التدخل الحكومي لم يتوقف عند لغة التهديد، بل امتد لفتح ملفات شائكة كانت الشركات تستخدمها لتمويل حربها؛ مثل التلاعب بمبيعات السيارات المستعملة “صفر كيلومتر” لإيهام السوق بأرقام مبيعات وهمية، وتأخير مستحقات موردي القطع لشهور طويلة لتوفير السيولة لحروب الأسعار.
مع ذلك كل هذه الإجراءات فشلت في إيقاف نزيف الأسعار بشكل حقيقي حتى الآن، ويبدو أن الحكومة لا تزال مترددة في فرض عقوبات أو غرامات فعلية رادعة.

الهروب نحو العالمية.. وصدام التعريفات الجمركية
بسبب ضيق الخناق في الداخل، بدأت جيلي وبي واي دي في التركيز على الأسواق العالمية، من البرازيل وأستراليا وصولاً إلى كندا وبريطانيا. الصادرات الصينية من السيارات الكهربائية تضاعفت في مارس الماضي لمستويات قياسية، لكن هذا “الفيضان الصيني” واجه سدوداً جمركية عالية في أوروبا وأمريكا اللاتينية لحماية الصناعات المحلية.
هذا يعني أن الفائض الإنتاجي الصيني قد يظل محبوساً في الداخل، مما سيزيد من وتيرة الانهيارات والاندماجات بين الشركات الضعيفة، وهو ما تخشاه الحكومة الصينية لما قد يسببه من موجات بطالة واسعة.
اقرأ أيضاً: “تقارير المربع” ثورة الهايبرد.. كيف تحول “الجسر المؤقت” إلى الوجهة النهائية لصناعة السيارات؟
حرب الابتكار والتقنية
في خضم هذه المعركة، لم يعد السعر هو السلاح الوحيد؛ فشركات مثل شاومي تحاول اللعب على وتر القيمة المضافة في كل سيارة لإغراء العملاء.

أبرز مثال على ذلك، أن رئيس شاومي ذكر أن شركته وضعت تقنيات وميزات بقيمة 20 ألف يوان في موديل SU7 المحدث، لكنها رفعت السعر بـ 4 آلاف يوان فقط! هذا السباق المحموم لتقصير دورة حياة الموديلات وتقديم ابتكارات متلاحقة (بطاريات أقوى وشحن أسرع) هو محاولة أخيرة للتنفس في بيئة خالية من الأكسجين الربحي.
مصير صراع الأسعار
نحن أمام تسونامي اقتصادي في الصين قد يعيد تشكيل خارطة صناعة السيارات العالمية. فإذا استمرت هذه الحرب، قد نرى اختفاء أسماء كبرى وظهور تحالفات لم نكن نتخيلها.. وما نعرفه يقيناً، وما تعرفه جيداً الحكومة الصينية وخبراء صناعة السيارات، هو استحالة استمرار الوضع الحالي طويلاً.


اشترك بالقائمة البريدية
احصل على أخبار وأسعار السيارات أول بأول
إختر علامتك لمتابعة أخبارها وسياراتها
