إنضم لأكثر من 10M+ متابع

المربع نت – تمر صناعة السيارات الأمريكية حالياً بواحدة من أكثر نقاط ضعفها وتراجعها مقارنة بالمنافسين حول العالم، وهذا التقرير يحاول تتبع وشرح هذه الأزمة وأسبابها ومستقبل الصناعة الأمريكية.

قبل الدخول في التفاصيل، لابد أن نوضح بشكل حاسم أن صناعة السيارات الأمريكية لا تعاني من انهيار مالي شامل، ففورد وجنرال موتورز وستيلانتس لا تزال تبيع ملايين السيارات، وتحقق أرباحاً كبيرة من شاحنات البيك أب وسيارات الـSUV وخاصة في الولايات المتحدة، ولكن الأزمة الحقيقية تظهر عند النظر إلى الحضور العالمي، حيث أصبحت الشركات الأمريكية أقل انتشاراً وتأثيراً خارج أمريكا الشمالية، في وقت توسعت فيه الشركات الصينية واليابانية والكورية بسرعة غير مسبوقة.

في 2025، بلغ حجم السوق الصيني نحو 34.4 مليون مركبة، مقابل 16.7 مليون مركبة في الولايات المتحدة، بينما تجاوز إنتاج الصين 30 مليون سيارة. كما صدرت الشركات الصينية نحو 7.1 مليون مركبة، لتتحول الصين من سوق يعتمد على حضور الشركات الأجنبية إلى أكبر قوة إنتاج وتصدير في العالم.

“تقارير المربع” صناعة السيارات الأمريكية تنكمش داخل حدودها.. كيف فقدت ديترويت نفوذها العالمي؟

شركات السيارات الأمريكية تنسحب من العالم؟

لفهم حجم التحول، يجب العودة إلى الفترة التي لم تكن فيها السيارات الأمريكية مجرد منتجات محلية ناجحة، بل كانت تعبيراً عن الصناعة الحديثة نفسها. في منتصف القرن العشرين كانت الولايات المتحدة تنتج الغالبية العظمى من سيارات العالم، وكانت جنرال موتورز أكبر شركة صناعية في العالم، بينما انتشرت فورد عبر مصانع محلية في أوروبا وأمريكا الجنوبية وأستراليا وآسيا.

لم يكن النفوذ الأمريكي قائماً فقط على كاديلاك وشيفروليه وفورد، بل على شبكة واسعة من العلامات المحلية والإقليمية. جنرال موتورز امتلكت أوبل وفوكسهول وساب وهولدن ودايو، وكانت تبيع سيارات مصممة خصيصاً لأوروبا وأستراليا وكوريا الجنوبية وأمريكا اللاتينية. أما فورد فكانت تطور فييستا وفوكس ومونديو، وتنتج طرازات أوروبية لا تقل أهمية عن F-150 وموستانج في أمريكا.

حتى كرايسلر، التي كانت أضعف شركات ديترويت الثلاث، احتفظت بحضور دولي عبر جيب، ومن خلال تحالفات واستحواذات متعاقبة شملت أمريكان موتورز وميتسوبيشي ودايملر ثم فيات.

لكن الخريطة الحالية مختلفة بصورة حادة. جنرال موتورز باعت أوبل وفوكسهول إلى مجموعة بيجو ستروين في 2017، وأغلقت هولدن في أستراليا، وانسحبت من أسواق مثل الهند وأوروبا وروسيا وإندونيسيا وتايلاند. فورد أوقفت تصنيع السيارات في أستراليا والبرازيل والهند، وقلصت وجودها في أوروبا، بينما أصبحت ستيلانتس تدير العلامات الأمريكية ضمن مجموعة أوروبية ضخمة تتوزع أولوياتها بين 14 علامة مختلفة.

هذه الانسحابات لم تحدث دفعة واحدة، ولذلك لم تبدُ كأزمة تاريخية واضحة. لكنها مجتمعة قلصت الحضور الأمريكي في العالم إلى درجة أصبح معها الحديث عن “صناعة سيارات أمريكية عالمية” أقل دقة من الماضي.

"تقارير المربع" صناعة السيارات الأمريكية تنكمش داخل حدودها.. كيف فقدت ديترويت نفوذها العالمي؟ 1
سييرا دينالي 2026

أمريكا ما زالت تربح.. ولكن من منتجات محدودة

المفارقة أن الشركات الأمريكية لم تضطر إلى مواجهة ضعفها العالمي بالسرعة نفسها التي واجهتها شركات أوروبية أو يابانية، لأن السوق المحلي منحها حماية مالية استثنائية.

داخل الولايات المتحدة، تستطيع فورد بيع أكثر من 700 ألف نسخة من شاحنات F-Series في بعض الأعوام، بينما تبني جنرال موتورز أرباحها على شيفروليه سيلفرادو وجي ام سي سييرا، وتعتمد ستيلانتس على رام 1500 وجيب رانجلر وجراند شيروكي. هذه السيارات مرتفعة السعر والهامش الربحي، ويمكن لنسخها الفاخرة أن تتجاوز 80 و90 ألف دولار بسهولة.

النجاح في هذه الفئة سمح للشركات الأمريكية بالتخلي تدريجياً عن السيارات الصغيرة والسيدان والهاتشباك. فورد أوقفت في الولايات المتحدة فييستا وفوكس وفيوجن وتوروس، وأصبحت موستانج سيارة الركوب التقليدية الوحيدة تقريباً في تشكيلتها الأمريكية. شيفروليه أوقفت كروز وإمبالا وماليبو، بينما اختفت دودج دارت وأفنجر، وتقلصت كرايسلر إلى باسيفيكا وفوياجر، وهما في الأساس نسختان من الميني فان نفسها.

من منظور مالي قصير الأجل، كان القرار منطقياً. لماذا تستثمر الشركة مليارات الدولارات في سيارة مدمجة بهامش ربح محدود، بينما يمكنها بيع بيك أب أكبر بسعر يساوي ضعفيها أو ثلاثة أضعافها؟

لكن ما يبدو قراراً مالياً ذكياً داخل أمريكا يصبح نقطة ضعف عند الخروج منها. معظم أسواق العالم لا تعتمد على شاحنات كاملة الحجم بمحركات V8، ولا تناسبها أبعاد سيلفرادو أو رام 1500 أو استهلاكها للوقود. الأسواق الأوروبية والآسيوية والأفريقية وأجزاء واسعة من الشرق الأوسط تعتمد على السيارات الصغيرة والمدمجة والكروس أوفر الاقتصادية، وهي الفئات التي تخلت عنها الشركات الأمريكية أو أهملتها.

وبذلك وجدت ديترويت نفسها محاصرة داخل منطقة ربحية ضيقة: شاحنات ضخمة وسيارات SUV مرتفعة السعر، ناجحة جداً في أمريكا الشمالية، لكنها محدودة القابلية للتصدير عالمياً.

"تقارير المربع" صناعة السيارات الأمريكية تنكمش داخل حدودها.. كيف فقدت ديترويت نفوذها العالمي؟ 2
فورد F-150 رابتر

فورد تنسحب من أوروبا

كانت فورد واحدة من أهم العلامات في أوروبا بفضل فييستا وفوكس ومونديو، لكنها أوقفت مونديو، ثم فييستا في 2023، وانتهى إنتاج فوكس في 2025 دون خليفة مباشر.

استبدلت الشركة هذه الطرازات بسيارات كهربائية مثل إكسبلورر وكابري، المبنيتين على منصة MEB التابعة لفولكس واجن. لكن السيارات الجديدة جاءت مرتفعة السعر، ولم تنجح في تعويض الطرازات الشعبية التي صنعت هوية فورد الأوروبية لعقود.

وتحاول الشركة الآن تصحيح المسار عبر طرح خمسة طرازات جديدة في أوروبا بحلول 2029، مع العودة إلى منصات تدعم محركات متعددة بدلاً من الاعتماد الكامل على الكهرباء. ويكشف ذلك أن قرار إلغاء فييستا وفوكس سبق توفير بدائل مقنعة للعملاء.

شاهد أيضاً:

جنرال موتورز.. الانسحاب بدلاً من الإصلاح

إذا كانت فورد قد قلصت تشكيلتها، فإن جنرال موتورز اختارت في كثير من الحالات الانسحاب الكامل.

كانت GM يوماً أكبر شركة سيارات في العالم، وكانت تعمل في جميع القارات تقريباً. أوبل وفوكسهول مثلتا جناحها الأوروبي، وهولدن قاد وجودها في أستراليا، ودايو أصبحت قاعدة لتطوير سيارات شيفروليه الصغيرة، بينما شكلت المشاريع المشتركة مع سايك وولينج واحدة من أنجح عملياتها في الصين.

لكن المجموعة اكتشفت أن كثيراً من هذه الأنشطة لا تحقق الربحية المطلوبة، فاختارت التخلص منها. باعت أوبل وفوكسهول، أنهت هولدن، وأوقفت الإنتاج أو البيع في عدد كبير من الأسواق، وأعادت تركيز مواردها على أمريكا الشمالية والصين وبعض أسواق أمريكا الجنوبية والشرق الأوسط.

هذه الاستراتيجية حسنت الانضباط المالي، لكنها حولت جنرال موتورز من إمبراطورية عالمية إلى شركة تعتمد بصورة ثقيلة على شيفروليه وجي ام سي وكاديلاك داخل أمريكا الشمالية.

حتى سياراتها الكهربائية، مثل شيفروليه إكوينوكس EV وبليزر EV وسيلفرادو EV وجي ام سي همر EV وكاديلاك إسكاليد IQ، صممت في الأساس لأمريكا الشمالية، وغالباً ما تكون كبيرة وثقيلة ومرتفعة السعر.

كما خسرت جنرال موتورز جزءاً من نفوذها في الصين، حيث تفوقت بي واي دي وجيلي وشيري وعلامات محلية أخرى في البرمجيات والسرعة وتنوع المنتجات. ورغم تحسن مبيعات سيارات الطاقة الجديدة التابعة للمجموعة في الصين إلى قرابة مليون سيارة في 2025، فإن نسبة كبيرة منها تأتي من مشاريع وولينج وباوجون المحلية، وليس من تصدير سيارات أمريكية.

"تقارير المربع" صناعة السيارات الأمريكية تنكمش داخل حدودها.. كيف فقدت ديترويت نفوذها العالمي؟ 3
شيفروليه سوبربان

ستيلانتس وفقدان الهوية الأمريكية

لعبت ستيلانتس الدور الأكثر وضوحاً في تراجع كرايسلر ودودج وجيب ورام. بعد اندماج فيات كرايسلر مع بيجو ستروين في 2021، ركزت الإدارة بقيادة كارلوس تافاريس على خفض التكاليف ورفع الأسعار.

ارتفعت أسعار سيارات ستيلانتس في الولايات المتحدة بنحو 50% بين 2019 و2024، بينما بلغ التضخم نحو 23% فقط. أدى ذلك إلى تراجع تنافسية سيارات مثل جيب جراند شيروكي وواجونير ورام 1500.

اقرأ أيضاً: دراسة أمريكية: لماذا يفضل الوكلاء تويوتا ولكزس وهوندا على معظم العلامات الأخرى؟

كما أوقفت الشركة محرك هيمي V8 في رام، قبل أن تعيده لاحقاً بعد اعتراض العملاء وتراجع المبيعات. أما دودج فأوقفت تشالنجر وتشارجر بمحركات V8 وقدمت تشارجر دايتونا الكهربائية، لكنها لم تنجح في إقناع جمهور سيارات العضلات بالانتقال السريع إلى الكهرباء.

في النصف الأول من 2025، تراجعت مبيعات دودج الأمريكية من أكثر من 92 ألف سيارة إلى نحو 47.5 ألف سيارة. ولم تكن هورنت، المبنية على ألفا روميو تونالي، قادرة على تعويض غياب تشارجر وتشالنجر.

أما كرايسلر، وهي إحدى أكثر العلامات أهمية في التاريخ الأمريكي، فقد وصلت إلى وضع لا يكاد يصدق. تشكيلتها أصبحت قائمة عملياً على باسيفيكا وفوياجر، أي سيارتي ميني فان تشتركان في الهيكل والمحركات نفسها. لا توجد سيدان تحمل اسم 300، ولا كروس أوفر مدمجة، ولا SUV عائلية، ولا سيارة كهربائية إنتاجية مستقلة. وتعرض الصفحة الرسمية للعلامة باسيفيكا باعتبارها محور تشكيلتها، في انعكاس واضح لمدى ضمور كرايسلر.

هنا يظهر أثر ستيلانتس الحقيقي. المجموعة لم تقتل العلامات الأمريكية مباشرة، لكنها استنزفتها عبر تأخير المنتجات، وتقليل الاستثمار، ورفع الأسعار، والاعتماد المفرط على موديلات قديمة ومربحة.

لم يكن لدى كرايسلر ما يكفي من السيارات. دودج فقدت أهم منتجين لديها قبل اكتمال البدائل. رام خسرت محركاً يمثل جزءاً من هويتها. جيب رفعت الأسعار ووسعت تشكيلتها نحو الأعلى في وقت كانت تحتاج فيه إلى حماية الفئات الشعبية.

انتهت الأزمة برحيل تافاريس في نهاية 2024، قبل أن تسجل ستيلانتس خسارة صافية بلغت 22.3 مليار يورو في 2025، نتيجة إعادة هيكلة استراتيجيتها واستثماراتها.

"تقارير المربع" صناعة السيارات الأمريكية تنكمش داخل حدودها.. كيف فقدت ديترويت نفوذها العالمي؟ 4
شيفروليه تاهو

هل تتحول الصناعة الأمريكية إلى قوة محلية؟

لا تزال فورد وجنرال موتورز وستيلانتس تمتلك علامات قوية وتقنيات متقدمة وقدرات مالية ضخمة. لكن استمرار الاعتماد على الشاحنات وسيارات الـSUV الكبيرة سيجعلها أكثر ارتباطاً بالسوق الأمريكي وأقل قدرة على المنافسة عالمياً.

المشكلة ليست في غياب السيارة الأمريكية، بل في تحولها إلى منتج إقليمي مرتفع السعر، بينما تنتج الصين واليابان وكوريا سيارات صغيرة ومتوسطة وهايبرد وكهربائية تناسب أسواقاً متعددة.

إذا لم تستعد ديترويت السيارات الاقتصادية والمنصات العالمية وسرعة تطوير البرمجيات، فقد تظل صناعة مربحة داخل الولايات المتحدة، لكنها لن تعود القوة التي تحدد اتجاه صناعة السيارات في العالم.

Image of ask section link

اشترك بالقائمة البريدية

احصل على أخبار وأسعار السيارات أول بأول


صور من المربع نت